عندما يسبق استخدام الذكاء الاصطناعي حوكمة المؤسسة: كيف تدير الحكومات عصر Shadow AI؟

قبل أن تعتمد أي جهة سياسة رسمية لاستخدام الذكاء الاصطناعي، يكون موظفوها غالباً قد استخدموه بالفعل. أدوات الذكاء الاصطناعي العامة متاحة اليوم لأي شخص لديه متصفح أو هاتف، بلا حاجة لموافقة إدارية أو مشروع تقني رسمي وحين يواجه موظف مهمة عاجلة صياغة مسودة، تلخيص مستند طويل، تحليل بيانات سريع فإن الحل الأقرب إلى يده غالبًا ليس أداة الجهة المعتمدة، بل أداة عامة مفتوحة للجميع.
هذه الظاهرة تدعى الذكاء الاصطناعي غير المصرح به أو ما يطلق عليه (Shadow AI) وهي نمط متكرر يظهر في أي مؤسسة يتأخر فيها التبني الرسمي والمحكوم عن سرعة الحاجة الفعلية للموظفين.
وهنا يبرز التحدي الذي تواجهه الجهات: كيف تتعامل مع استخدام قائم بالفعل قبل اكتمال الحوكمة الرسمية له؟
لماذا منع الاستخدام ليس حلاً فعلياً:
الاستجابة الأولى الشائعة لهذه الظاهرة هي إصدار قرار بمنع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي العامة داخل بيئة العمل وهذا القرار مفهوم، لكنه نادراً ما يحل المشكلة الفعلية
الحاجة التي دفعت الموظف لاستخدام الأداة العامة في المقام الأول إنجاز المهمة بسرعة أكبر تبقى قائمة بعد صدور القرار كما كانت قبله. ما يتغير عملياً هو أن الاستخدام ينتقل من العلن إلى الخفاء، فتفقد الجهة الرؤية عليه تماما بدل أن تحكمه.
هذا نمط معروف في تاريخ حوكمة تقنية المعلومات، سبق أن ظهر مع تقنية المعلومات الخفية (Shadow IT) قبل عصر الذكاء الاصطناعي حين كان الموظفون يستخدمون تطبيقات وأدوات غير معتمدة لسد فجوة بين ما توفره الجهة رسمياً وما يحتاجونه فعلياً لإنجاز عملهم. الدرس المتكرر من تلك التجربة هو أن الحظر وحده يخفي المشكلة، بينما الحل الفعلي يبدأ بفهم الحاجة وتوفير بديل يلبيها ضمن حوكمة واضحة.
ولهذا لا تقف آثار هذه الفجوة عند حدود الحوكمة أو الرؤية المؤسسية، بل يمكن أن تمتد إلى الأداء والتكلفة والمخاطر التشغيلية.
ما الذي يكشفه البحث العالمي عن أثر هذه الفجوة
هذه ليست مسألة نظرية؛ فالبحث العالمي في هذا المجال يوثق أثراً مالياً وتشغيلياً حقيقياً لهذه الفجوة. فقد أشارت دراسة نشرتها McKinsey إلى أن 26% من المؤسسات طوّرت حلولاً مبتكرة قائمة على الذكاء الاصطناعي، لكن 4% فقط منها حققت عائدًا مرضيًا على هذا الاستثمار ويعزى جزء من هذه الفجوة إلى أن الاستخدام غير المحكوم للذكاء الاصطناعي يشتت الجهود المؤسسية عن متطلبات الأمن والامتثال الفعلية بدل أن يخدمها.
كما أشار تقرير IBM لتكلفة اختراقات البيانات لعام 2025 إلى أن الحالات المرتبطة باستخدام غير محكوم للذكاء الاصطناعي كلفت المؤسسات المتضررة أكثر من 650 ألف دولار إضافية في المتوسط لكل حادثة اختراق، مقارنة بالحالات التي لم يكن للذكاء الاصطناعي دور فيها. هذان الرقمان، رغم أنهما لا يخصان القطاع الحكومي الإماراتي تحديداً، يعكسان نمطاً عالمياً يستحق أن تأخذه أي جهة تخطط لتوسيع استخدامها للذكاء الاصطناعي على محمل الجد قبل أن تواجه نسخته الخاصة منه.
لماذا تظهر هذه الفجوة تحديداً حين تتأخر الحوكمة عن التبني
الفجوة بين الاستخدام الفعلي والحوكمة الرسمية تتسع لسبب بنيوي بسيط: تبني أداة ذكاء اصطناعي عامة يحتاج من الموظف دقائق فقط فتح متصفح وكتابة سؤال. أما اعتماد أداة مؤسسية رسمية فيحتاج دورة كاملة من التقييم والشراء والتكامل والتدريب، قد تستغرق شهورًا. خلال هذه الفترة الفاصلة، لا تتوقف حاجة الموظف للسرعة؛ هو ببساطة يلجأ لأقرب أداة متاحة له، بصرف النظر عمّا إذا كانت معتمدة رسمياً أو لا.
هذا يعني أن Shadow AI ليس مؤشراً على تقصير الموظفين، بل مؤشراً على وجود فجوة زمنية بين سرعة الحاجة الفعلية وسرعة الاستجابة المؤسسية لها. كلما طالت هذه الفجوة، اتسعت مساحة الاستخدام غير المحكوم داخلها وهنا يصبح السؤال العملي: كيف تدير الجهة هذه الفجوة بدل تجاهلها أو محاربتها؟
الخطوة الأولى هي معرفة الواقع الفعلي بدل افتراضه: استطلاع صريح وغير عقابي للموظفين حول الأدوات التي يستخدمونها فعليًا في عملهم اليومي، بما في ذلك الأدوات غير المعتمدة، يمنح القيادة صورة حقيقية بدل تخمين مبني على انطباعات عامة.
الخطوة الثانية هي توفير بديل معتمد يضاهي على الأقل قدرة الأدوات العامة في الاستخدامات الأكثر شيوعاً لأن أي بديل مؤسسي أبطأ أو أضعف من البديل العام لن يقنع أحدًا بالتحول إليه طواعية.
الخطوة الثالثة هي سياسة واضحة ومحددة لما يسمح استخدامه وما لا يسمح، ولماذا تحديداً لا حظر عام مبهم يترك للموظف تفسير حدوده بنفسه.
أين يلتقي هذا مع الجاهزية الأوسع للذكاء الاصطناعي الوكيل؟
هذا الموضوع ليس معزولاً عن مسار التحول الأوسع نحو Agentic AI الذي تشهده الحكومة الإماراتية فالجهة التي لا توفر لموظفيها أداة معتمدة وكافية اليوم ستجد نفسها تدير فجوة استخدام غير محكوم بالتوازي مع محاولتها بناء أنظمة ذكاء اصطناعي وكيل تتخذ قرارات فعلية وهذا تناقض داخلي خطير: كيف تثق الجهة ببنية بيانات تمنح صلاحية اتخاذ قرار، بينما لا تزال غير متأكدة أصلاً من أين تذهب بياناتها حين يستخدمها موظفوها بأدوات لم تختبرها الجهة ولم توافق عليها؟
معالجة Shadow AI اليوم ليست مجرد إدارة مخاطرة جانبية، بل جزء أساسي من بناء الأساس الذي تقف عليه أي خطوة لاحقة نحو ذكاء اصطناعي مؤسسي أكثر استقلالية.
الاستخدام غير المصرح به للذكاء الاصطناعي لن يختفي بقرار حظر، لأنه استجابة طبيعية لحاجة حقيقية لم تلب رسمياً بعد. الجهات التي تتعامل معه كإشارة على فجوة حوكمة يجب سدها، لا كسلوك فردي يجب تأديبه، هي التي ستدخل مرحلة الذكاء الاصطناعي الوكيل ببنية أكثر ثقة وأقل مفاجآت.